الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
29
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وزيادة الهدى يجوز أن يكون تقوية هدى الإيمان المعلوم من قوله : آمَنُوا بِرَبِّهِمْ بفتح بصائرهم للتفكير في وسائل النجاة بإيمانهم وألهمهم التوفيق والثبات ، فكل ذلك هدى زائد على هدى الإيمان . ويجوز أن تكون تقوية فضل الإيمان بفضل التقوى كما في قوله تعالى : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ [ محمد : 17 ] . والزيادة : وفرة مقدار شيء مخصوص ، مثل وفرة عدد المعدود ، ووزن الموزون ، ووفرة سكان المدينة . وفعل ( زاد ) يكون قاصرا مثل قوله تعالى : وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [ الصافات : 147 ] ، ويكون متعديا كقوله : فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً [ البقرة : 10 ] . وتستعار الزيادة لقوة الوصف كما هنا . والربط على القلب مستعار إلى تثبيت الإيمان وعدم التردد فيه ، فلما شاع إطلاق القلب على الاعتقاد استعير الربط عليه للتثبيت على عقده . كما قال تعالى : لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ القصص : 10 ] . ومنه قولهم : هو رابط الجأش . وفي ضده يقال : اضطرب قلبه ، وقال تعالى : وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [ الأحزاب : 10 ] . استعير الاضطراب ونحوه للتردد والشك في حصول شيء . وتعدية فعل رَبَطْنا بحرف الاستعلاء للمبالغة في الشد لأن حرف الاستعلاء مستعار لمعنى التمكن من الفعل . و إِذْ قامُوا ظرف للربط ، أي كان الربط في وقت في قيامهم ، أي كان ذلك الخاطر الذي قاموا به مقارنا لربط اللّه على قلوبهم ، أي لولا ذلك لما أقدموا على مثل ذلك العمل وذلك القول . والقيام يحتمل أن يكون حقيقيا ، بأن وقفوا بين يدي ملك الروم المشرك ، أو وقفوا في مجامع قومهم خطباء معلنين فساد عقيدة الشرك . ويحتمل أن يكون القيام مستعارا للإقدام والجسر على عمل عظيم ، وللاهتمام بالعمل أو القول ، تشبيها للاهتمام بقيام الشخص من قعود للإقبال على عمل ما ، كقول النابغة : بأن حصنا وحيا من بني أسد * قاموا فقالوا حمانا غير مقروب فليس في ذلك قيام بعد قعود بل قد يكونون قالوه وهم قعود .